الغوث الأعظم بمثابة المعلّم
بواسطة التعليم والتدريس، تُلقى في قلوب أجيال جديدة علوم دينية، لتؤدّي إلى كونهم أقوياء وأشداء، عقيدةً وعملاً، وأغنياء وأثرياء، خلقاً وسلوكاً، وتنحسر بها عن المجتمع دياجير جهالة، وفوق ذلك، أن الطلاب الذين يتربّون تحت إشراف الأساتذة المهرة، يكلّلون بالنجاح في أي موضع يضعون فيه أقدامهم.
سيدنا الشيخ الغوث الأعظم رضي الله تعالى عنه، قام بالوعْظ والتدريس في مدرسة أسّسها أستاذه الشيخ أبو سعد المخرّمي رحمه الله تعالى، بعد ما أكمل دراسته الدينية، ومضى عليه زمن طويل في الرياضة والمجاهدة. ولم يكد يظهر له صيت بالزهد والتدريس حتى فاض الناس إليه، فغمرت المدرسة، وضاقت بالناس فوسعت. كان الشيخ رضي الله تعالى عنه يلقي الدرس في ثلاثة عشر فنّا، يدرّس طرفي النهار التفسير وعلوم الحديث والمذهب والخلاف والأصول والنحو، فيما يُقرئ القرآن العزيز بعد الظهر.
بركة صحبة الشيخ: كان الشيخ سيدنا عبد الله الخشاب عليه رحمة الله الوهّاب يدْرس النحو، ويسمع الناس يصفون الشيخ عبد القادر، ويذكرون حسن كلامه في مجالس وعظه. في يوم من الأيام شارك في درس الشيخ، عندما لم يجد نكات نحوية، خطر بباله ضَياع الوقت، فالتفت الشيخ إليه وقال: إن تصحب رفاقنا فأجعلك إمام النحو مثل سيبويه. فلازم الشيخ عبد الله الخشاب النحوي صحبته، وانتفع به نفعا كثيرا وتضلّع من علم النحو وأحكامه، وما إلى ذلك من العلوم العقلية والنقلية، ما كان لا يعرفه وما سمعه من غيره. وجدير بالذكر أن أربع مائة عالم كان يحضر في حضرته لتسجبل ما يقول الشيخ رضي الله تعالى عنه.
مكانة مغبوطة في التفسير: قال الحافظ أبو العباس أحمد بن أحمد البندنيجي، حضرت أنا والشيخ جمال الدين إبن الجوزي رحمه الله تعالى، مجلس سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله تعالى عنه، فقرأ القاري آية، فذكر الشيخ في تفسيرها وجها، فقلت للشيخ إبن الجوزي أتعلم هذا الوجه، قال نعم. ثم ذكر وجها آخر فقلت له أتعلم هذا الوجه، قال نعم. فذكر الشيخ فيها أحد عشر وجها، وأنا أقول له أتعلم هذا الوجه، وهو يقول نعم، ثم ذكر الشيخ فيها وجها آخر، فقلت له أتعلم هذا، قال لا، حتى ذكر فيها كمال الأربعين وجها، يعزو كل وجه إلى قائله. والشيخ إبن الجوزي يقول: لا أعرفه هذا الوجه. واشتدّ عجبه من سعة علم سيدنا الشيخ رضي الله تعالى عنه، ثم قال الشيخ نترك القال ونرجع إلى الحال، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فاستولى على الناس اضطراب شديد، وخرق الشيخ إبن الجوزي ثيابه.
مجلس العلم: وكان يحضر مجالس الشيخ كبار علماء العراق ومشايخها، كعلي بن الهيتمي، وأبي النجيب السهروردي، وعثمان القرشي، وأبي عبد الله محمد القزويني، والقاضي أبي يعلى الفراء، وأبي القاسم البزار، وكثير غيرهم. كان الشيخ يمضي أيامه في المدرسة، ويخرج يوم الجمعة إلى المسجد، وكان يلقي درساعاما في الوعظ والإرشاد، واستمرّ على ذلك ثلاثا وثلاثين سنة.
وكان توضع للشيخ منصة عالية، ليجلس عليها عند إلقاء الدرس، وكان الناس جميعا على كثرتهم، يسمعون صوته البعيد منه كالقريب. وكان الشيخ رضي الله تعالى عنه يدرّس طلاب مدرسته علوما شتى، قد تصل إلى ثلاثة عشر علما، كما ذكرنا سابقا، ويخصّص لهم دروسا في الوعظ والإرشاد، وينهاهم عن الفلسفة وعلم الكلام، ويحثّهم على الفقه والتصوف السَنِيّ، على أن يكون الفقه حاكما على التصوف، فكثيرا ما كان يقول في دروسه: كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة، طرْ إلى الحق بجناحي الكتاب والسنة. وكان ينتقد في دروسه خصومات العلماء واختلافاتهم، كما ينتقد ظلم الحكام وجورهم، وبخل الأغنياء وتبذريهم. ويحارب الفرق الضالة في دروسه، كما يحاول أن يوفق بين مذاهب أهل السنة والجماعة، فكان يفتي على المذهبين الشافعي والحنبلي، ولا يتحرج من ذلك، حتي قال عنه الإمام النووي رحمه الله تعالى: إنه كان شيخ السادة الشافعية والسادة الحنابلة.
مركز التدريب والإصلاح: لقد كانت مدرسته وكان رباطه اللذان أنشأهما، أشبه ما يكون بمركز تدريب وإصلاح، يدرّب فيها الطلاب والمريدين، يزكي نفوسهم ويصلحها، وينشئ بينه وبينهم رباطا دينيا، وروحيا عميقا، ويجعل بينه وبينهم عهدا قويا، وميثاقا متينا، ثم يجيز كثيرا منهم ممّن يرى فيهم النبوع والإستقامة والمقدرة، على التربية والإرشاد، فينتشرون في الآفاق يدعون الخلق إلى الله تعالى، ويربّون النفوس، ويحاربون الشرك والبدع والجاهلية والنفاق، وقد كان لخلفائه وتلامذه هؤلاء فضل كبير في المحافظة على روح الإسلام، وشعلة الإيمان، وحماسة الدعوة والجهاد، ولو لا هم لابتلعت المادية هذه الأمة، كما كان لهم اليد الطولى في نشر الإسلام في أنحاء العالم.
طريقة التدريس: وكان رضي الله تعالى عنه يبدأ دروسه بالبسملة والحمدلة، ويختمها بالآية الكريمة: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار.
مواعظ الشيخ: ومن مواعظه في دروسه رضي الله تعالى عنه: يا غلام ! قصّرْ أملك، وقلّلْ حرصك، صلِّ صلاةَ موَدِّع، لاينبغي لمؤمن أن ينام إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه، فان أيقظه الحق عزّ وجلّ في عافية كان مباركا، وإلا فيجد أهله وصيته ينتفعون بها بعد موته، ويترحّمون عليه. ليكنْ أكلك أكل مودع، ووجودك بين أهلك وجود مودع، ولقاؤك لإخوانك لقاء مودع، ألزمْ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الكتاب والسنة، فإن من تركهما تزندق، أبطلوا العلاقة بالدنيا ومافيها وتعلّقوا بالحق عزّ وجلّ، لا تبهرجوا فإن الناقد بصير.. اتقوا الشرك في الأصل، والمعاصي في الفرع، ثم اعتصموا بحبلَيْ الكتاب والسنة، ولا يفلتان من أيديكم.
إعداد
محمد عامر غزالي